الأحد، سبتمبر 02، 2007

قتلى في حضن الوطن

ربما لم تراجع يوما ذكرياتك الحزينة , فجميعنا لا يحب الحزن ولا يفكر فى اللحظات التعسة التى عاشها , او مر بها في يوم من الايام .. كلنا يحب الذكريات الجميلة ويتغنى بها , الا اننى ارى ان الذكريات الحزينة لها مكانة في اعماق القلب كما ان لها اهميتها الكبرى في غزل الحاضر والنظرة الموضوعية للمستقبل .. والواقع أننى أرى في صفحة ذاكرتى عناوين حزن تباغتنى وانا خارج الحدود بعيدا عن الوطن , وان كنت دائما اتغنى بان الانسان هو الذي يخلق لنفسه الوطن الذي يعيش فيه , الا ان الوطن الذي يعيش فينا دائما وابدا له الغلبه والكبرياء , ولا اذكر متى واين قرأت هذه الكلمات التى تقول "حين يكون واحدنا بعيداً عن وطنه، يكتشف ماذا يعني أن يكون له وطن" .. وتلك هي الخلاصة التي صاغها دوبريه

في وقت لاحق، مؤكداً: "إن كل ما هو عالمي خادع، فالناس محليون أولا".. وأصبحت متيقنا يوما بعد يوم أن المسافات وإن طالت لا تأخذك بعيدا ابدا او دائما عن حال موطنك الام وهمومه وتطلعاتك الى رفاهيته وسعادة أقرانك وابائك وابنائك فيه

وقد قال ابن الرومى منذ ازمان سحيقة بيت شعر يدغدغ مشاعري كثيرا حين انشد يقول
ولي وطن آليت ألا أبيعه ..وألا أرى غيري له الدهر مالكاً

وبين الحين والاخر تصلني رسائل من ابناء المحروسة فى شرقها وغربها عبر البريد الاكترونى تعصر القلب الما .. شباب يتطلع لغد , لا أكثر من غد بما يحمله هذا الغد من خير أو شر , فقط يريد أن يأتى هذا النهار , يسلمه و يمسك بزمامه ويمتطى صهوته ويمر عبر مفازات الحياة بمختلف الوانها , ولكن هذا الغد لا ياتيهم ابدا .. تقتلهم الوعود , ويقتلهم الانتظار .. يعيشون في أمس دائم وفى مساء لا صبح له .. أمالهم منسية وأحلامهم مبتورة .. دائما وعلى الارجح توقظهم من فرحة الحلم سحابة تمطر الما لواقع مرير .. واقع يتعدى انهيارات الاقتصاد والفكر والحياة الاجتماعية , الى انهيار الوجدان الداخلي , انهيار المعاني ذاتها .. فالالوان باهته , متضاربة .. متداخلة الى حد التوهان , ضائعة في غيبوبة لا مثيل لها على مر التاريخ , ركود في المظهر والجوهر , رغم سياط السرعة الملهبة التى تميز العصر والزمان

كل الاصعدة قاتله , ولست من المحبطين او من يميلون الى اليأس ولكنى ألمس الواقع بعين تبحث في أعماق الهم والحزن , تغوص في اعماق وجذور الالم , أرى أن دفن الرؤوس في الرمال مصيبة وأفة , واتيقن أيضا أن الكلام مصيبتنا جميعا , إعتدنا الثرثرة فوق النيل ونحب البكاء فوق روؤس الاموات ونقيم للموت سرادقات , نحب العويل أكثر من أى شىء أخر .. كما نحب الهرج والفكاهة ونعشق أن نتغنى بما ليس لنا , إعتادت شعوبنا الرقص على انغام الذبح والام وإعتاد حكامنا على قرع طبول المحن ونفض اليد من الازمات التى تنتابنا .. أصبح مفزعا حقا أن يقول مسوؤل بملء فيه , وأنا أعمل ايه , وينسي أن يترك المجال لغيرة يتقدم وقد يفعل الاخير شيئا ما , قد يرتقى خطوة على الطريق

افكر كثيرا ,, واحاول أن اشاهد سلوكيات شعوب أخرى , قد تكون حديثة عهد بالحضارة الانسانية , وارى العجب , أرى أننا وحدنا الذين نغنى لرأس الحكم ونمنحة الالوهية , ننتخب بأيدينا جلادينا ونعشق ذلك , نصفق كثيرا لمن يكذب علينا ويسقينا الوهم ونتجرع من حماقته المرار