سرقات.. مشروعة
يبدو أن المفاهيم والمبادئ في طريقها إلي تحول جديد وخطير في نفس الوقت. ويبدو أن هذا التحول لا يعبأ بالقوانين والأعراف ولا يعترف بأسس وأحكام الحياة الطبيعية للبشر.. ولعل نظرة سريعة إلي واقع حياتنا المعاصرة ومفردات لغتنا وأسلوب تعاملنا مع بعضنا البعض تكشف لنا خطورة هذا التحول السريع والذي يقلب الحقائق رأساً علي عقب ويعصف بالقيم النبيلة ويحطم الآمال المرجوة في تنمية حقيقية وتقدم ملموس لحياتنا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وسائر شئوننا
إن الوقوف علي بعض مظاهر التحول في المفاهيم والقيم بمختلف قطاعاتنا ليؤكد اننا أمام منعطف خطير ومؤشر قوي لانهيار جذري في البناء المجتمعي ينبغي التنبه له والتصدي لسلبياته بكل حسم وبكل شجاعة في المواجهة وعدم الرضوخ لصوت الباطل مهما علا ومهما التفت حوله جموع المغرضين وفاقدي الضمير الانساني ولعل من هذه المظاهر السلبية للتحول الاجتماعي الزائف نحو مدنية لا ترقي لمستوي التحضر والتمدن الذي نفهمه ونعيه.. ما تحاول أن تفرضه علينا آليات السوق وفكرة تبادل المصالح والاستفادة المتبادلة والتي تعتمد في الأساس علي تنحية الروح الانساني وتجاهل كل أشكال ومفاهيم المودة والتسامح في مقابل تحقيق مكسب مادي زائف.. ومن هذا المنطلق بدأنا نلمس نوعاً غريباً علي قيمنا ومفاهيمنا من السرقة والخيانة يشق طريقه بكل شجاعة بل ويعلن بكل وضوح إنما هي سرقات "مشروعة" أو خيانة "مشروعة".. ولا أعتقد أبداً أن ثمة سرقة تكون مشروعة تحت أي بند من البنود أو أن هناك خيانة ما تستطيع أن تصفها بأنها مشروعة أو واجبة أو حتي جائزة
وقد تتلون هذه السرقات والخيانات فيلتبس علي الكثيرين أمرها وتختبئ تحت سطوة المغالطات الكبيرة التي نعيشها فتري السارق كبيراً كان أم صغيراً يوصف "بالشاطر" والذي يعرف كيف يتعامل مع أسس ومفاهيم عصره وتري الخائن يوصف بالفهلوي وأصبح لفظ "صايع" يدل علي المتميز والذي يجيد الحراك الاجتماعي الزائف
ان شيوع محاباة أساتذة الجامعة لذويهم واعطائهم الدرجات النهائية وتعيينهم معيدين في أقسامهم وتجاوز المتفوقين من الطلاب لدليل قوي علي تحول سلبي في المفاهيم الدراسية والتعليمية يعطي الحق للطالب والأستاذ في سرقة واضحة وشرسة يتستر عليها ضمير الأستاذ ويتقبلها ابنه "الخايب" برضا وارتياح
وتكرار سقوط العمارات السكنية فوق رءوس العباد دونما ارتداع لمهندس تجاهل الضمير والقانون ومقاول أعماه الجشع وتحقيق الربح الوفير عن الصواب ومراعاة حقوق الانسانية لمؤشر قوي علي تفشي السرقة وتحليلها. وتعدد مساوئ وسلبيات وفساد القطاع الصحي وانصياع الأطباء للمادة وتوفيرها علي حساب المرضي سرقة تحاول مفاهيم العصر تسويغها والتعامل معها كواقع وظروف مهنة. أما عمليات الإحلال والتجديد التي لا توصف إلا بأنها "تبديد" واضح للأموال العامة في مختلف القطاعات فهي سرقات مقنعة في أغلب الأحيان والأمثلة لا تعد ولا تحصي. فليس من المنطق أن ننفق الملايين علي ترميم منشأة ما أو أن يتم انفاق الملايين أيضاً علي تغيير سيراميك ورخام محطة من محطات المترو بما هو أسوأ من الموجود بالفعل
وكثيرة تلك الأمثلة التي تتخذ فيها السرقة منحي شرعياً إلا أنها تظل سرقات غير مشروعة وتبقي كل العمليات التي تحيط بها مشبوهة وتستحق المساءلة والتوضيح. إلا أن فهم هذا التحول والتصدي لسلبياته التي انتشرت وذاعت يبقي هو الفيصل في دحض وإنكار هذه المفاهيم الجديدة التي صورت للسارق انه شاطر وللخائن انه فهلوي وابن حظ
على فكرة
تحدثت في مقال سابق عن "دراويش الإدارة".. وكيف أننا نعاني من تخلف إداري واضح في كافة القطاعات والمصالح وقد جاءني تقرير بعنوان "إدارة أكفأ من أجل خدمة أفضل" في مظروف يحمل عنوان مكتب د. أحمد درويش وزير التنمية الإدارية. والحقيقة انني سعدت باهتمام الوزير ومكتبه بالصحف وما ينشر فيها وتحمسهم للرد والتوضيح إلا أنني لم أقف علي شيء بين صفحات التقرير يرتاح له ضميري وأنا أتابع الخلل الإداري والتخلف الذي تعانيه الإدارات والمصالح الحكومية في تعاملاتها اليومية مع الجماهير.. ومع احترامي الكامل للدكتور "درويش" إلا انني أؤكد ان ثمة مجهودات كبيرة نتطلع إليها من خلال وزارة التنمية الإدارية مازلت لا أري لها أثراً في حياتنا الإدارية

<< Home