الخميس، مارس 30، 2006

الحياد .. وشرف المواطنة

ما أحوجنا الي عيون استبصار وقرون استشعار قوية لرصد واقعنا وكشف متغيراته الخفية بسرعة ووضوح. فالذي يبصر احوال المجتمع الذي نعيش فيه لايستطيع ان يغفل عن سلبياته العديدة محاولا الرصد والتشخيص والعلاج. والذي ينتمي الي هذا الواقع ويتعايش معه لا يمكن ان يتجاهل مشاكله المزمنة او ان يحجب بنات افكاره عن مغازلة مفردات العمل الوطني الجاد والانصياع لمتطلبات العصر في المكان والزمان وفق ماتمليه المصلحة العامة. ومايجب القيام به لتحقيق الرقي المطلوب. والحقيقة الساطعة التي لاينبغي ان تغيب عن عيوننا وأذهاننا أبدا ان المسئولية مشتركة وتقع علي اكتاف الجميع من حكام ومحكومين كل في موقعه فالجميع مسئولون مسئولية تامة عن اي انهيار يصيب المجتمع ويهدد اوصاله وترابطه. ومن هنا فإن المسئولية الفردية هامة وضرورية للنهوض بحياتنا وتلافي سلبياتها ومعالجة اوجه النقص فيها فليست الحكومة بمفردها وليس كل مسئول في موقعه هو وحده الذي ينوء بعبء هذا الكم الهائل من المشاكل التي تواجهنا في حياتنا اليومية. حيث تظهر سلوكيات الافراد انهم مسئولون بشكل مباشر عن اي خلل يعترض النمو والازدهار وتحقيق النهضة المطلوبة والامثلة كثيرة ومتعددة قد لايتسع المجال لسردها لكن ان يلقي احدنا بزجاجة فارغة من نافذة سيارته في نهر الطريق ويمضي غير مكترث بفداحة ما قد يترتب علي هذا الفعل من مشاكل مرورية واصابات للغير فهذا وحده كفيل بأن يضعه في القائمة السوداء الطويلة التي تضم بين اسمائها أولئك الذين استباحوا الحرمات واستحلوا سرقة المال العام بداية من تذكرة المترو وكابلات التليفونات والتيار الكهربائي واراضي الدولة والاوقاف العامة. والمساهمة في تلويث المياه واهدار الثروة المائية. وانتشار القمامة علي قارعة كل طريق واهدار المرافق العامة. الي جانب من يساهمون في تدمير الاقتصاد القومي وضياع الثروات الوطنية وتهريب الاموال للخارج بل وجلب السلع المغشوشة والفاسدة من الخارج وتفشي ظاهرة الاحتكار بشكل او بأخر فضلا عن الانتهازية وتصيد الفرص التي تظهر خاصة في الازمات وكذلك مروجو الفتن ومفتعلو الازمات كل ذلك واكثر منه مما اصبح واقعا اليما في مجتمعنا في غفلة من رأي عام قوي يتصدي لكل هذه السلبيات تحت وطأة ظهور متغير خفي وخطير ومخيف في نفس الوقت ألا وهو مبدأ "الأنامالية" هذا الوباء الخطير الذي تفشي بين افراد المجتمع واصبح واقعا مخزيا ومحرجا ايضا. مما يدعونا للتوقف والنظر بترو لخطورة هذه النظرة الاحادية والانانية واليائسة في نفس الوقت تجاه كل مايمس المجتمع ويشكل خطورة علي ايجابياته وطموحاته.. فماذا يعني ان يمضي كل منا في سبيله تاركا طفلا يبكي ويعلو صراخه علي ناصية شارع ما فلا يلتفت سائلا اياه عما به ومم يشكو؟!.. وماذا يعني ان تنتحب فتاة تغتصب أرضا وعرضا في فلسطين والعراق علي شاشات التلفاز فيشاهدها العالم بأسره ونشاهدها نحن وكأننا امام مشهد سينمائي اصبح غير مؤثر من كثرة التكرار؟!! ويمضي كل منا غير مبال او متوقف حتي للتساؤل ومعرفة مايجري من حولنا. لقد اصبح شيئا مقلقا ومفزعا حقا ان نجد الكبير والصغير.. المتعلم والجاهل يتمسك بكلمة خبيثة ومريضة وكأن "وانا مالي" هذه طوق نجاة له يكررها بكل جفاء متحديا كل منطق وكل كبرياء وكل فطرة سليمة.. فقلما تجد بين شبابنا وفتياتنا من يهتم بقضايا الوطن الداخلية او الخارجية. وتكاد لاتجد من يشغل باله بالملفات التي تفتح كل يوم لتضع الشأن الداخلي الى جوار الشأن الخارجي في خطين متوازين يتباعدان ويتقاطعان علي طول الطريق حيث لامناص لكليهما من التفاعل الحتمي الذي يستوجب اليقظة وحسن التقدير والمتابعة ايضا. فلا معني اليوم لتجاهل الاخبار المحلية والعالمية وادارة مؤشر الراديو والتلفاز عن مجريات الأمور والانصراف نحو الكليبات العارية والاغاني الهابطة ولعل في جهلنا وتجاهلنا لما يحدث داخليا وخارجيا مايعد خيانة لحق الوطن والانسانية جميعها. ولعله ايضا حياد آثم ذلك الذي يدعونا الي الانصراف عن قضايانا وهموم حاضرنا ولقد قالها فليسوف غربي ومفكر سياسي بارع هو باركليز حين وصف الحياد تجاه قضايا الوطن وهمومه بالخيانة. والانسحاب من تبعاتها بالهروب وحين طالب بحرمان الذي يكذب علي الشعب من شرف المواطنة وحقوقها.. وهذه المعاني المخلصة هي التي يجب ان نلقنها لابنائنا وشبابنا وان يعيها كل منا في موقعه ويأخذها مأخذ الجد. فلا يتجاهل خبرا عن انهيار بناية في فلسطين او العراق او يمضي غير مكترث بصنبور ماء ترك مفتوحا في مكان عام او ان يجد إهمالا يضر بالصالح العام ولايسارع بقرع طبول الحرب علي كل متجاوز للحقوق والواجبات.