الأسد فى جنين .. بضم الهمزة .. عنوان خاطرة شعرية ملتهبة .. وصلتنى بالبريد الالكترونى .. جعلتنى انقش على جدار قلبى جرحا اصابنى فى مقتل لحظة تذكار الالم و لحظة معايشة خيبة الامل فى تخطى الهزيمة ولو بالكلام فلم اكد اعرف من تكون صاحبة الابيات عبر الهاتف حتى جاءنى هذا البريد يحمل كلمات ساذكر نصّها بالحرف من خلال الاسطر التالية ..هذه الكلمات وان كانت بسيطة فى شكلها ونظمها الا ان صدق الاحساس الواضح جدا فى رموزها ومعانيها يأخذنى الى عالم من الانفعال الثورى المفعم بالرهبة تارة وبالاصرار تارة اخرى على محاولات النهوض المتكررة من نكبة الاستسلام والهزيمة ومرارة اليأس وتبعاته المؤلمة الى رغبة عارمة فى تخطى حاجز السكوت على الاقل
جنين .. البلد الفلسطينية المقهورة غدرا واحتلالا ..تنادى فى ذكرى مذبحتها الدامية فى 2 ابريل 2002 اسودها وثعالبها وحتى حيواناتها المستأنسة .. تناديهم دون اجناس البشر القاطنين داخلها والمحيطين بها من كل جانب .. تناديهم نداء المستغيث .. تناديهم وضباب كثيف يخيم على كل الاجواء المحيطة ناشرا ظلام يرقب بصيصا من نور نحو غد منتصر , غد يعيش ابنائه مستقبلا يعيشون فيه أسودا يذودون عن ارضهم وعرضهم آفات الظلم وجبابرة الاحتلال والاغتصاب المر للمسكن والمأكل وحتى نسمات الهواء
ولعل كلمات دلال سيف التى ترمز الى ابناء البلد المقهور بالاسود التى ابادتها يد الغدر والخيانه واقول الغدر والخيانة لأن ما حدث فى هذا التاريخ لهذا البلد الصغير على مرأى ومسمع من العالم لا يوصف الا بهذ الوصف المخزى لكل رموز العالم الذى يصف نفسه بالمتحضر فى الوقت الذى يذبح فيه الصغار والرضّع والشيوخ والنساء وما من صرخة يسمعها الفضاء الرحب الفسيح تقف فى وجه الاعتداء الصارخ على الانسانية والحياة جميعها .. تنادى مرهفى الحس والمشاعر وتستغيث بكلمات لا انقدها شعرا او نظما ولكنى ارددها هنا بكاءا عربيا وانينا لواحدة من الوف ترفع يدها للسماء وحسب بعد ان اعياها طلب النصرة والعون من البشر .. حيث تقول دلال سيف
اغثنا يا محمد اغثنا يا امين
اغثنا فالمذابح اشابت الجنين
الأسد يا محمد تباد كل حين
الاسد فى شموخ وعزة ودين
تساق للمنايا وترفض الانين
تزمجر وتزأر بألا تستكين
عرائس ضحايا تزف كل حين
لموكب الضحايا فداء وحنين
فداك كل طفل وشيخ وجنين
فداك يا اقصانا فداك يا جنين
انشودة الضحايا يا كل الصامتين
اغثنا يا الهى يا رب العالمين
حقيقة جعلتنى الكلمات اعاود التفكير مرة فى تعقيدات الشعر ونظمه وحداثته وقدمه ومناقشة الرمز وعالم المعنى وعالم الخيال وفلسفة الكلمة ودلالة اللفظ والتركيب اللغوى واسلوب السرد وخلافة .. ومرة اخرى اجدنى اصب جام غضبى على علم النص وتفسيرة وتشدق الشعراء بالنظم وتركيبه .. وكل ما يمت لنقد القصيدة والشعر الحداثى وغيرها من مشكلات اللغة والنقد الشعرى .. الا اننى اتجاوز كل ذلك وان اجد ان هذه الكلمات البسيطة تأخذنى الى عالمى الخاص .. أرقى انا .. همى وهم كل غيور على الامة العربية والاسلامية .. غيور على تسيدها للعالم علما وسلطانا .. تسيدها العادل والطبيعى بحكم دستورها السماوى .. بحكم وسطيتها واعتدالها .. هذا الهم الذى ينادينا ويستغيث ان نقف موقفا فاعلا ومجديا .. موقفا يخلع رداء الوهن والذل والاستكانة .. رافعا معاول بناء العزة التى انفرط عقدها وتناثرت حبات مجدها وسيادتها ولعل كلمات دلال سيف هذه اعادت الى ذاكرتى كلمات شاعر اعجز عن تذكر اسمه الان الا انه حفر كلماتها منذ زمن بعيد فى وجدانى حيث يقول
يا صبح شقشق وازرع فى القلوب بسمة
وان يوم لاقيت الضباب متقولش دى قسمة
لو جوزونا الظلام فىكفّناالعصمة
وانا ان كنت اذكر هذه الكلمات المتفائلة لشاعرنا الذى اعتذر عن نسيان اسمة الان .. اجدنى متألم اشد الالم لحيرة كلمات دلال سيف التى تصف ابناء الوطن الجريح بالاسود او حتى اشبال الأسود غيرة عليهم واملا فيهم ثم ترثى لحالهم وهم اشبه بالفراخ الذبيحة .. ثم لا تجد مفرا من نداء القوى العليا للنصرة والثبات .. وتعاودها الالام فتنشد كلمات تؤكد فيها اننا فداء للاقصى الجريح وشهداء جنين .. شهداء التخاذل والهزيمة .. معلنة من جديد ان فى كفّها العصمة لتجاوز الجراح الوطنية والخذلان القومى والذبح القهرى لأمال الشعوب وتطلعاتها
هكذا وصلتنى كلماتها بعيدا عن تعقيدات الشعر وكيفية نظمة فأثرت ان اكتبها احياءا لالام الذكرى واستنهاضا للهمم أن تبوح ولو بالكلام البسيط .. من افواه مرهفى الحس.. بالوجع العربى فى كل مكان